الجصاص
416
أحكام القرآن
ابن سيرين عن عبيدة : ( إن علمتم فيهم خيرا ) قال : " إذا صلى " . وعن إبراهيم : وفاء وصدقا " . وقال مجاهد : " مالا " . وقال الحسن : " صلاحا في الدين " . قال أبو بكر : الأظهر أنه أراد الصلاح ، فينتظم ذلك الوفاء والصدق وأداء الأمانة ، لأن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به الصلاح في الدين ، ولو أراد المال لقال : إن علمتم لهم خيرا ، لأنه إنما يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال ، وأيضا فإن العبد لا مال له ، فلا يجوز أن يتأول عليه . وما روي عن عبيدة " إذا صلى " فلا معنى له ، لأنه جائز مكاتبة اليهودي والنصراني بالآية وإن لم تكن لهم صلاة . وقوله تعالى : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) ، اختلف أهل العلم في المكاتب هل يستحق على مولاه أن يضع عنه شيئا من كتابته ؟ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والثوري : " إن وضع عنه شيئا فهو حسن مندوب إليه وإن لم يفعل لم يجبر عليه " . وقال الشافعي : " هو على الوجوب " . وروي عن ابن سيرين في قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : " كان يعجبهم أن يدعوا له طائفة من مكاتبته " . قال أبو بكر : ظاهر قوله : " كان يعجبهم " أنه أراد به الصحابة ، وكذلك قول إبراهيم : " كانوا يكرهون " ، وكانوا يقولون : الظاهر من قول التابعي إذا قال ذلك أنه أراد به الصحابة ، فقول ابن سيرين يدل على أن ذلك كان عند الصحابة على الندب لا على الإيجاب ، لأنه لا يجوز أن يقال في الإيجاب : " كان يعجبهم " . وروى يونس عن الحسن وإبراهيم : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : " حث عليه مولاه وغيره " ، وروى مسلم بن أبي مريم عن غلام عثمان بن عفان قال : " كاتبني عثمان ولم يحط عني شيئا " . قال أبو بكر : ويحتمل أن يريد بقوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) ما ذكره في آية الصدقات من قوله : ( وفي الرقاب ) [ التوبة : 60 ] . وقد روى أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : علمني عملا يدخلني الجنة ! قال : " أعتق النسمة وفك الرقبة " قال : أليسا واحدا ؟ قال : " عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها " ، وهذا يدل على أن قوله : ( وفي الرقاب ) [ التوبة : 60 ] قد اقتضى إعطاء المكاتب ، فاحتمل أن يكون قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) دفع الصدقات الواجبات ، وأفاد بذلك جواز دفع الصدقة إلى المكاتب وإن كان مولاه غنيا . ويدل عليه أنه أمر بإعطائه من مال الله ، وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب ، وهذا يدل على أنه أراد مالا هو ملك لمن أمر بإيتائه وأن سبيله الصدقة وذلك الصدقات الواجبة في الأموال ، ويدل عليه قوله : ( من مال الله الذي آتاكم ) وهو الذي قد صح ملكه للمالك وأمر باخراج بعضه ، ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى